بحر أحمد.. رحيل غامض لضابط سوداني خرج من السجن ليقود انتصارات الجيش

فريق التحرير
كتب فريق التحرير 8 دقيقة للقراءة

رحل اللواء بحر أحمد بحر تاركا فراغا كبيرا في البنية العسكرية السودانية، وكاشفا غمة كبيرة عما تبقى من كتائب قوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم، والتي طالما صنفت أحمد بحر ضمن ألد أعدائها.

لا يعرف حتى الآن سبب مباشر لحادث تحطم الطائرة التي كانت تقل اللواء بحر وعددا من رفاقه العسكريين، لكن المؤكد أن حجم الحزن على الرجل في الدوائر السياسية والعسكرية السودانية القريبة من الجيش أو المحسوبة على التيار الإسلامي يكشف أنه كان بمركز أساسي ونوعي في الطرفين.

وباستثناء انضباطه العسكري وحسن بلائه في المواقع التي وكلت إليه قيادتها، وشيء من الخصومة التي سبق فيها الكثير من أقرانه مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” فإن المتداول عن الرجل قليل، مثل أي قائد عسكري غلبت عليه العسكرية صفّا، والانخراط في أعمالها العميقة وقتا واهتماما.

في شمال كردفان استنارت أولى خطوات أحمد بحر، واستقامت مسيرته العسكرية بتخرجه في الدفعة الـ35 من الكلية الحربية بالسودان، وما زالت العسكرية السودانية تشيد بتلك الدفعة التي تخرجت في عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري.

وسرعان ما لمع نجم الرجل بين أقرانه العسكريين بكفاءته باعتباره مقاتلا بارعا ورجل استخبارات واستعلام حصيف.

مسيرة في عيون اللهب

ارتبطت مسيرة أحمد بحر بالعمل العسكري، فكان قائدا ميدانيا مؤثرا في عمليات عسكرية متعددة بجنوب السودان، كما كان القائد الأكثر تأثيرا في أحداث جبل الملح سنة 1998 والعنصر الفعال في تأمين الطرق والمسارب بين مناطق السودان، خصوصا بين جوبا وتوريت، وفقا لوسائل إعلام سودانية.

ولاحقا، سيظهر اسم بحر أيضا مرة سنة 2013، إذ كان أبرز قادة عمليات أبو كرشولا الواقعة في الشمال الشرقي لولاية كردفان، والتي شهدت معارك دامية بين الجيش السوداني وما عرفت حينها بقوات الجبهة الثورية السودانية.

وقد تعددت المهام العسكرية التي شغلها الرجل، إذ ترقى -وفقا لوسائل إعلام سودانية- إلى منصب نائب رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، ثم قائد منطقة الخرطوم العسكرية أهم قوة ومنطقة عسكرية في السودان.

وفي أواخر يوليو/تموز 2019 أعلن الجيش السوداني إحباط “محاولة انقلاب” اُتهم رئيس الأركان وضباط من الجيش وجهاز الأمن بالمشاركة فيها، إلى جانب قيادة من الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني.

وبالتزامن مع ذلك، شُنت حملة اعتقالات واسعة طالت رئيس هيئة العمليات المشتركة الفريق آدم هارون ومدير التدريب اللواء بحر أحمد بحر وقائد المدرعات اللواء نصري الدين عبد الفتاح، وآخرين.

 

مواجهة قوية مع الدعم السريع

يصنف اللواء أحمد بحر على قمة أعداء قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي، وسرعان ما أنشب حميدتي أظافره في قوة أحمد بحر وثلة من القادة العسكريين الذين كان يراهم سدا منيعا أمام أهدافه في السيطرة على السودان، وهو ما لم يخفَ عن الرأي العام السوداني الذي ظل أغلبه مقتنعا بأن حميدتي أزاح بحر حين طُرد من الجيش واُتهم بالمشاركة في التخطيط لانقلاب عسكري، قبل أن يُلقى به في السجن.

ولم يكن حميدتي أصلا ليرتاح لبحر الذي كان قد عبر عن رأيه تجاه الدعم السريع بصراحة مكتوبة، مقترحا الآليات والوسائل وطرق التنظيم التي يراها الأسلم لإقامة جيش من المشاة أولي جاهزية كبيرة للتدخل والحسم عند الاقتضاء.

ويتحدث مغردون ونشطاء سودانيون عن مواجهة وقعت بين الرجلين خلال تلك الفترة وصلت ذروتها بقول أحمد بحر مخاطبا حميدتي “أنا أصغر عسكري عندي نمرتو العسكرية أقدم منك، صدّقت نفسك فريق ولا شنو؟”.

وإذا كان اللواء بحر قد أصبح بعد الاعتقال والإقالة والتسريح عنصرا مدنيا تقريبا فإن فورة الدم العسكري في عروقه لم تجف، فلم يطل انتظاره حتى عاد قائدا بدون قرار رسمي وبمبادرة منه بدعم القوات العسكرية السودانية، ومقاتلا ذا قدرات عسكرية عالية عندما اقتحم مقر القيادة العسكرية متحديا ما يصفها أنصاره بـ”نيران الجنجويد” ومدافع الدعم السريع.

ومع بدء المواجهة الشاملة مع الدعم السريع أصبح اللواء بحر قائدا للعمليات في منطقة الخرطوم بحري ذات القتال العنيف والممتد رغم أنه لا يملك أي صفة رسمية يكون بها جنديا أحرى أن يكون قائدا، هكذا تقول حرفية النصوص، ولكن أنصار الرجل يقولون إن الوطنية والانتماء والعقيدة القتالية قد صنعت منه عسكريا لا يمكن أن يتخلف عن نداء السلاح، وإن مهارته وقدراته الفائقة أعادته إلى حيث ينبغي أن يكون في صدارة القيادة.

صانع انتصارات الجيش

وينسب أنصار بحر والعارفون به إليه التحول الكبير في عمليات الجيش السوداني بالعاصمة الخرطوم، وصناعة الأوقات والظروف التي هيأت للانهيار الكبير لدفاعات الدعم السريع، وحولت قوات الجيش من الدفاع في عدد من مناطق العاصمة وضواحيها إلى الهجوم، مما أنهى حصار سلاح الإشارة ومهد الطريق سريعا لتحرير أم درمان ذات التاريخ الأثير في سودان الاستقلال والحرب والثورة والتحرير.

وإذا احتفى السودانيون ببطولات بحر فقد احتفوا أيضا بإنسانيته وتواضعه، إذ ينتقل من الميدان إلى أسر ضحايا الحرب مواسيا ومعزيا، متجولا بين مناطق السودان لزيارة أسر أصدقائه وضباطه العاملين معه.

حادث غامض

لا أحد يعرف حتى الآن على وجه اليقين أسباب تحطم الطائرة التي كانت تقل بحر وآخرين، ففي حين اكتفى الجيش السوداني بالقول إن الطائرة العسكرية أقلعت من مدرج مطار قاعدة وادي سيدنا العسكرية (إحدى أكبر القواعد الجوية في البلاد) وسقطت في “الحارة 75 إسكان” شمال غرب أم درمان -أي على بعد 7 كيلومترات فقط من المطار- نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر عسكري سوداني تأكيده أن الطائرة سقطت نتيجة عطل فني”.

لكن ذلك لم يكن كافيا لإزالة الغموض عما حدث، فقد تساءل كثيرون على مواقع التواصل عن أسباب الحادث وخلفياته، ولم يستبعد بعض المدونين فرضية التصفية من طرف ما داخل المؤسسة العسكرية كما هو حال المغرد أبو عمار، في حين تساءل آخر قائلا “هل هي صدفة (أعطال جوية) كما يدعي المناصرون للجيش؟ أم دخول منظومة دفاع جوي حديثة كما يدعي أنصار الدعم السريع؟!”.

ويمضي بحر برفقة 46 آخرين من ضحايا تحطم طائرة “أنتونوف آن-32” روسية الصنع، في حين يعاني 10 آخرون من آثار الجراح، وتطوى بذلك الحادث المؤلم مسيرة رجل يؤمن السودانيون بأنه من أكثر رجالهم شجاعة وقوة ونفاذ بصيرة وأسبقهم مواجهة للدعم السريع، فهل مات بحر في حادث طبيعي أم تدخلت إيادٍ من عدو أو صديق لصناعة تلك الخاتمة المأساوية لمسيرة عسكرية امتدت لسنوات طويلة؟

شارك المقال
اترك تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *