في حادثة أثارت موجة من الجدل والقلق في الأوساط الأكاديمية والسياسية على حد سواء، شهدت الولايات المتحدة اعتقال طالبة دكتوراه تحت غطاء تمويه مجهول، مما أثار تساؤلات حول حدود حرية التعبير والتدخل الأمني في الشؤون الجامعية، فالحدث الذي جمع بين تجاوز الخطوط القانونية والضغط السياسي لم يخلُ من تفاصيل تشكل مؤشرات خطيرة على تصاعد حملات استهداف الناشطين الدوليين، خصوصًا في سياق حساسية المواقف من القضايا الفلسطينية وأثرها الإقليمي والدولي.
توقيت متشابك
وفي مساء أحد الأيام العادية، كانت طالبة الدكتوراه روميسا أوزتورك تمتطي خطواتها نحو لقاء أصدقائها لكسر صيام رمضان بعد 13 ساعة من الصيام؛ ومع ذلك، قلبت ضربة غير متوقعة مسار حياتها. فقد أحاطت بها ستة ضباط بملابس مدنية وهويات مخفية في شوارع سومافيل بولاية ماساتشوستس، ليتحول اللقاء الودي إلى مشهد مثير للرعب والذهول. وانتقلت اللقطات التي التقطتها كاميرات المراقبة بين تفاصيل المشهد بشكل واضح، حيث تم القبض عليها باستخدام كف الأصفاد وتقييد حركتها بعد أن تم مصادرة هاتفها المحمول وسحب شارة مخفية معلقة على حبل. لم يكن التصرف مقتصرًا على حالة من التحفظ، بل تبع ذلك تغطية لأفواه وأنوف بعض الضباط، في مشهد يتناقض مع الصورة النمطية لقوة الشرطة المُعتمدة على الظهور العلني والشفافية، وفقًا لشبكة “سي إن إن” الأمريكية.
مسار قانوني
ولم يكن الاحتجاز مجرد عملية مفاجئة دون خلفية قانونية، فالطالبة التي تحمل تأشيرة طالب F-1 من تركيا نُقلت فيما بعد إلى مناطق مختلفة، حيث زارت مكاتب حكومية وانتقلت عبر ولايات عدة وصولاً إلى منشأة في الإسكندرية بولاية لويزيانا. وعلى الرغم من إصدار أمر قضائي قبل ست ساعات من توقيت الاعتقال يحظر نقلها خارج ماساتشوستس دون إخطار مسبق، إلا أن السلطات الفيدرالية اخترقت هذا القرار، مما أثار تورط السؤال حول مطابقة الإجراءات الوقائية للمعايير القانونية والحقوق الأساسية. وخلال فترة نقله، تعرضت الطالبة لنوبة ربو حرجة، مما يسلّط الضوء على المخاطر الصحية المصاحبة لتلك الإجراءات المفاجئة وغير المتوقعة.
وكشفت المستندات أن السلطات اعتقلت الطالبة دون تهمة رسمية، إذ لم يتم توجيه أي اتهام لها أو منحها حق التواصل مع محامٍ خلال فترة احتجازها. وبعد جولات من البحث والتقصي، باءت رحلة تحديد مكانها بنتيجة محيرة دام فيها نحو 24 ساعة، دون قدرة الأهل والمحامين على الاتصال بها. وأبرزت التحقيقات نظراءها الأكاديميين والجهات الداعية لحقوق الإنسان بأن العملية على ما تبدو خفية وتتسم بطابع وإجرائية مجهزة لإسكات الأصوات الناقدة، خصوصًا فيما يتعلق بقضايا فلسطين. إذ إن التقرير يشير إلى اتهامات غير مؤكدة لها بانخراطها في أنشطة تُدعم جماعات معينة، من دون تقديم أدلة ملموسة تثبت ذلك.
احتجاجات حاشدة
وما أثار الجدل كذلك هو رد فعل السلطات وتصريحات مسؤولين من وزارة الأمن الداخلي ووزارة الخارجية، الذين أشارت تصريحاتهم إلى أن نشاطات الطالبة قد تحمل بين طياتها آثارًا سلبية على السياسة الخارجية الأمريكية، دون تفصيل يرضي المتابعين أو المهتمين بالشأن الدولي. وفي أعقاب هذه الإجراءات، شهدت حرم جامعة توفتس والمجتمع الأكاديمي موجة احتجاجات حاشدة، حيث خرجت جماعات الطلاب والمثقفين إلى الشوارع مطالبين بإعادة النظر في سياسات الاعتقالات وممارسات الاحتجاز على خلفية معتقدات وآراء. وبحسب تصريحات رؤساء الجامعات والمسؤولين في الحقل التعليمي، فإن هذه الإجراءات لا تعكس روح الحرية الأكاديمية والتعبير الحر، بل تُعد تجاوزًا خطيرًا على أسس حقوق الطالبة.
وعلى صعيد قانوني، سعت مجموعة من محاميي الطالبة إلى رفع دعوى قضائية للطعن في قانونية احتجازها، مطالبين بضمان حقها في البقاء في ولاية ماساتشوستس حتى صدور قرار قضائي بخصوص نقلها. وعلى الرغم من أن قاضيًا اتحاديًا في بوسطن أوقف ترحيلها وأمر بعدم نقلها دون إخطار مسبق، إلا أن الخلاف يبقى قائمًا بشأن مدى التزام السلطات الفيدرالية بالإجراءات القانونية، وضرورة ضمان حماية حقوق الطلاب والمواطنين من تجاوزات غير دستورية. واصلت الجهات القانونية والنشطاء العمل على متابعة القضية، مؤكدين أن المسألة تتعدى مجرد حالة فردية لتصبح مثالاً على ظاهرة الاستهداف الأمني للناشطين والمدافعين عن قضايا حقوق الإنسان.
وتُثير قضية روميسا أوزتورك تساؤلات جادة حول التوازن بين ضمان الأمن القومي واحترام الحقوق والحريات الأساسية، وهو ما يضع النظام القضائي والسلطات التنفيذية أمام اختبار حاسم لتطبيق العدالة دون المساس بحرية التعبير والنشاط السياسي.