المعروك.. هل صار أكل الملوك فعلا في سوريا؟!

فريق التحرير
كتب فريق التحرير 5 دقيقة للقراءة

“أكل الملوك يا معروك” هكذا اعتاد باعة المعروك النداء عليه في أسواق دمشق ومحلاتها من عشرات السنين لكنهم لم يكونوا يتخيلون أن يصبح كلامهم ونداؤهم هذا على الحقيقة لا على سبيل المدح فحسب.

المعروك هو الكعكة الدمشقيّة التي لا تغيب عن موائد الأسر الدمشقيّة في شهر رمضان بحيث أصبحت جزءًا من التقليد الغذائيّ الرمضانيّ الذي يعد رمضان ناقصًا إن غابت عن موائدهم فيه.

“المعروك” والذي يقال له أيضًا خبز رمضان، هو أكله شامية معروفة منذ أكثر من قرن، وهي ضربٌ من الحلوى المخبوز ما بين الخبز والكعك، ولقد اشتقت كلمة “معروك” من “العرك” أي الخلط بشكل جيد حتى تصبح متماسكة، ففي القديم كان المعروك يحضر يدويا لعدم وجود آلة العجن وقتها.

أمّا عجينة المعروك التقليديّة فإنّها تتكون من مادة الطحين يضاف إليها الزيت النباتيّ والقليل من الحليب السائل والمحلب الناعم والسمن البلدي والماء والسكّر، حيث تعجن وتخلط جيدا، ثم تترك لمدة ساعة أو أكثر حتى تختمر وتصبح جاهزة للاستعمال، وبعد ذلك تفرد على “الصاجات” وتوزع حسب الحجم والوزن المطلوب، ويتنوع حجم ووزن أقراص المعروك بين الحجم الصغير والحجم العائلي الكبير، فهي توجد بـ3 أوزان عادة؛ ربع كيلو أو نصف كيلو أو كيلو، ثم يرش على وجهها السمسم وتدخل إلى فرن الخبز حتى تنضج، وبعد نضجها تدهن بالزيت حتى تبقى طرية ولامعة.

الخبز الملوكي أم خبز الفقير؟

ولا تتوقف أنواع المعروك على “النوع السادة” الخالي من أيّة إضافات بل غدت منه أنواع متعددة فهناك الصنف “الملوكي” وهو الذي يضاف إليه جوز الهند والزبيب وماء الزهر، هذا النوع مرغوب أكثر من غيره في شهر رمضان لاحتوائه على السكر والطعم الحلو والفستق المبشور.

حيث يشعر الصائم طيلة النهار بحاجة إلى هذا النوع المحلى إذ يفقد الكثير من السعرات الحرارية، ومن الأنواع ذائعة الصيت للمعروك؛ المعروك بالعجوة، ويكون محشوًا بالتمر، ومؤخرًا بدأت المخابز تنتج أنواعا جديدة من المعروك تتفنن فيها كالمعروك المحشو بأنواع متعددة من الشوكولا، والمعروك بالقشطة، والمعروك بالجبنة، والمعروك بالفواكه.

المعروك الذي كان يطلق عليه أيضًا “خبز الفقير” وينادى عليه “أكل الملوك يا معروك” جبرًا لقلوبهم ونفوسهم غدا مع الأزمة الاقتصاديّة الخانقة -التي تعيشها البلاد المنهكة من آثار الحروب والاستبداد التي تراكمت عبر عقود قبل أن تتنفس عبير الحريّة- أكل الملوك فعلًا وغاب عن موائد كثير من الدمشقيين في الأعوام الأخيرة وفي هذا العام أيضًا.

المعروك السوري 🥯 😋 تمتلِئ به الموائد خلال شهر رمضان

ارتفاع الأسعار

لقد ارتفعت أسعار حبّة المعروك ارتفاعًا يمنع المواطن متوسط الحال من شرائها، فقد بلغ سعر الواحدة المحشوة بجوز الهند والزبيب، قرابة 35 ألف ليرة سورية أي ما يعادل 3 دولارات ونصفا تقريبًا، وقد يصل سعر بعض الأنواع المحشوة إلى ما يقارب 50 ألف ليرة سوريّة.

أحمد: صاحب محل معجنات وحلويات في المزة، عند سؤاله عن أحوال بيع المعروك هذا العام زفر زفرة حرّى وقال قبل أن يجيب، الله يعين النّاس، ثمّ أردف قائلًا: في السنوات الأخيرة لا نخبز أكبر من 30 كيلو من الطحين في حين كنا قبل أن تشتد الأزمة نخبز أكثر من 100 كيلو، أي أنّنا نخبز 30% مما نخبزه عادة والسبب في ذلك هو عزوف النّاس عن الشراء بسبب ارتفاع الأسعار، فحركة البيع انخفضت 70%، وارتفاع الأسعار سببه قلة المواد الأوليّة في السوق وارتفاع أسعارها بحسب أحمد.

أمّا رامي فهو بائع معروك على بسطة يقف على أحد الأرصفة القريبة من سوق الحميديّة في دمشق، وعند سؤاله عن حركة البيع للمعروك أجاب: “كنت زمان أبيع كل يوم أكثر من بسطتين، أما اليوم فأنا بالكاد أبيع نصف بسطة في اليوم”، “النّاس ما معها مصاري” هكذا عبّر رامي عن ضعف الحركة الشرائية وعزوف الناس عن شراء المعروك.

أمّا أم محمد وهي السيدة الدمشقيّة الستينيّة عند سؤالها عن المعروك هذه السنة فأجابت: “من أكثر من خمس سنين ما عاد جبنا معروك إلا بأوقات قليلة جدًا، كنّا زمان ما يغيب المعروك عن سفرة الفطور والسحور، ومعروك الزبيب ومعروك العجوة ما كان يغيب عنا أبدًا، لكن صار المعروك غالي جدًا وما في مجال” وعن سؤالها عن شعورها بغياب المعروك عن مائدة رمضان أجابت بغصّة: “بنحس رمضان ناقص”

رمضان في دمشق هذه السنة فقد الناس فيه الكثير من عاداتهم بل تنازلوا عنها قسرًا تحت وطأة الحاجة وسوء الأحوال المعيشيّة وقلة السيولة الماليّة، غير أنّهم ما زالوا متمسكين بإرادتهم للحياة، مقبلين عليها، وهذا هو زادهم الحقيقيّ في مواجهة تحديات الحياة المتراكمة بعد التحرير والتخلص من وطأة الاستبداد وتركته الثقيلة.

شارك المقال
اترك تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *